مدونتنا

متحف للجميع: التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة في متحف قطر الوطني

6 ديسمبر 2020

بحسب البيانات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، فإن 15 في المئة من سكان العالَم يعيشون بمستويات مختلفة من الإعاقة، ويعاني 2 إلى 4 في المئة من أولئك من صعوبات في حياتهم اليومية. ونظراً لكون تلك النسبة تُشكّل شريحة مهمة من السكان، فإن التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة يجب أن تمثّل الأولوية القصوى عندما يتعلّق الأمر بالفضاءات العامة، مثل المتاحف. وبما أنها عبارة عن وجهات نتنقّل فيها عبر الزمن ونتعرّف داخلها على ممارسات فنية تُحفّز التفكير والتأمل، يُنظر إلى المتاحف حول العالَم باعتبارها دعائم ثقافية وتعليمية للمجتمع، وتوكَل إليها مهمة توسيع آفاق نظرتنا إلى الأرض التي نعيش عليها. وانطلاقاً من هذا الدور، يصبح من الأهمية بمكان أن تتغلّب المتاحف على القيود ذات الصلة باستخدام هذه الفضاءات، وتوفير بيئة تتيح للجميع إمكانية الاستفادة منها بشكل أكبر. لكن كيف يمكن أن ينطوي المتحف على تسهيلات أكبر خاصة بالمعوقين، وكيف يتجسّد ذلك على أرض الواقع؟  

لطالما اشتهرت المتاحف ببُعدها الجماليّ ومقتنياتها الآسرة من أعمال نادرة وفنون جميلة من كافة أرجاء العالَم. وهذه المعروضات تكون موجودة دائماً في خزائن زجاجية لا يمكن التفاعل معها إلا على المستوى البصري. لكن المتاحف تشهد تطوراً مع إطلاق تقنيات جديدة وتبني ابتكارات حديثة في إطار مساعيها لتلبية احتياجات الزوار، وكذلك اعتماد أساليب جديدة في مجالي الاستكشاف والتعليم لتشمل شريحة أكبر من الجمهور.  

في هذا الخصوص، تشرح جورجيا كرانتز (المدرّبة في مجال التسهيلات الخاصة بالمعوقين والمعلّمة الفنية التي أعدّت سلسلة "عين العقل" في متاحف ومؤسسة غوغنهايم) المفهوم الشائع الذي يحصر دور المتاحف بالتجارب الجمالية البصرية التي يقدّمها: "إننا نرى من خلال الدماغ، وليس العين.. فالعين هي واحدة فقط من القنوات التي تمرّ عبرها المعلومات الحسية باتجاه الدماغ الذي يعالجها". تتطرّق كرانتز في هذا السياق إلى فكرة متداولة في الكثير من الأبحاث المتعلقة بالمعرفة والإدراك، والتي تفيد بأننا نحن البشر نتعامل مع التجارب وانطباعاتنا عنها عبر توظيف رصد متعدد الحواس ترسم فيه الجوانب البصرية والسمعية والحركية واللمسية معالِم تجربة شاملة ومتكاملة. ولذلك فإنه ولتحقيق تجربة استكشاف يمكن التفاعل معها على المستوى الفكري والجسدي، يتوجب على المتاحف توظيف طيف واسع من المقتنيات الحسية التي تناسب احتياجات كل فئات الزوار.

استجابة لهذا التحدي الكبير، يضطلع متحف قطر الوطني بدور رائد في الجهود المبذولة لجعل هذا المبنى هائل الحجم الذي يأخذ شكل وردة الصحراء أكثر دمجاً للجميع وينطوي على تسهيلات للاستخدام لكافة فئات الزوار. تقود اختصاصية تطوير المتحف، سحر سعد، هذه المساعي في متحف قطر الوطني. وتقول عن ذلك: "باعتبارها مؤسسات ثقافية لطالما كانت فضاءات تعليمية وتربوية، تضطلع المتاحف بدور أكثر فاعلية في الدفع باتجاه تغييرات مجتمعية. تتمثل إحدى تلك التغييرات بنشر الوعي حول التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة والدمج والعوائق التي تواجه الكثير من ذوي الإعاقة عند زيارة أي متحف". وفيما يتعلّق بالسبب الذي يجعل التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة مهمة، أردفت سحر: "أن يكون الفضاء متاحاً للزيارة يجعله في النهاية فضاءً دامجاً، وبهذا نحرص على أن يشعر كل فرد من المجتمع بأنه مرحّب به في المتحف. وهذه وسيلة نشرك فيها شريحة أوسع من الجمهور، ونجعل المتحف متاحاً أمام الجميع. هذه هي رؤيتنا في متحف قطر الوطني.. رؤية أعتقد أن كل مؤسسة ثقافية يجب أن تصبو إليها".

لكن يبقى السؤال قائماً، كيف يمكن لنا أن نجعل الفضاءات المتحفية والمعارف التي تحملها متاحة لكل فئات الزوار.

فيما يتعلّق بمتحف قطر الوطني، تشرح سحر كيف أن قاعات المتحف خضعت لتقييم خبراء في معايير التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة لضمان أن تكون فضاءات العرض ومسارات الزوار متوافقة مع استخدام الكراسي المتحركة، وجعل البطاقات التعريفية للمقتنيات والنصوص المكتوبة مصممة بطريقة سهلة القراءة، مع معالجة أي عوائق موجودة لكي تكون فضاءات العرض متاحة أمام كل الزوار على المستويين الجسدي والفكري. كما يحرص المتحف على الالتزام بمعايير التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة التي تم تبنيها على المستوى الوطني (مدونة قواعد البناء في سنغافورة)، إلى جانب معايير أخرى معمول بها في دول أخرى، وأفضل الممارسات ذات الصلة، بما في ذلك معايير وإرشادات متحف سميثسونيان وتشريع "أمريكيون من ذوي الإعاقة".

  

نظرة على الفضاءات الداخلية للمتحف © متحف قطر الوطني
نظرة على الفضاءات الداخلية للمتحف © متحف قطر الوطني

جهود متحف قطر الوطني في جعل المتحف مطابقاً للتسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة تبدو جلية في مجموعة من الأدوات والأجهزة المساعِدة التي تعمل على جعل تجربة الزيارة متعددة الحواس ومناسبة للزوار من كافة الفئات. وتشمل هذه التكنولوجيا المساعِدة:

قلم القراءة

جهاز مصمم للإنتاجية والتعلّم، وهو قلم يساعِد القُرّاء والطلاب ممن يواجهون صعوبة في القراءة، مثل اضطرابات القراءة وطلاب الإنجليزية كلغة ثانية. كل ما على الطلاب القيام به هو تمرير رأس القلم على النص لإظهار التعريفات ذات الصلة مع شرح صوتي.

نظام صوتي مساعِد

يُساعد هذا النظام على تضخيم الصوت للزوار من ذوي الإعاقات السمعية، بحيث يخفف أو يلغي كلياً الضوضاء المحيطة، أو يركّز على أصوات محددة بحسب حاجة الشخص الذي يستخدمه.

لوحة أوبيدو

لوحة مفاتيح مصغّرة تسمح للزوار من الصمّ بالتواصل مع شخصين أو أكثر من خلال تقنية تعتمد على التواصل بنصوص فورية.

جهاز القراءة

يشبه قلم القراءة، وهو جهاز متكامل يقرأ المحتوى بصوت مرتفع عبر مسح النصوص المكتوبة.

مُكبّرة يدوية

يمكن للزوار الذين يعانون من ضعف البصر استخدام المكبِّرة لقراءة النصوص والتركيز على الأعمال المعروضة أو تفاصيل المقتنيات.

على امتداد القاعات الإحدى عشر، يُشهد لمتحف قطر الوطني تبنيه لمقارَبات مبتكرة من أجل تقديم سرد متحفي يمزج في كل قاعة بين الموسيقى والتاريخ الشفاهي والأفلام والمواد الأرشيفية، إلى جانب مجموعة من الروائح المميزة مثل القهوة والبخور وشذا البحر. كما يضمّ خمس منصات للتفاعل متعدد الحواس مع وصف وشرح لأهم المعروضات بلغة "البريل"، وتعالِج موضوعات الجيولوجيا والبيئات الطبيعية وعلم الآثار والحياة في البرّ والاحتفالات، ويوجد في كل من هذه المنصات الخمس نماذج ثلاثية الأبعاد لمعروضات في المتحف. كما تم تصميم المعارض العائلية والبرامج والجولات لإشراك واستقطاب العائلات والأطفال من كافة الأعمار والإمكانيات.

وفي تعليق على العمل الذي يقوم به متحف قطر الوطني في هذا المجال، قال السيد إكرامي أحمد، مشرف الأنشطة وأخصائي التقنية المساعِدة في مركز قطر الاجتماعي والثقافي للمكفوفين: "اختبرتُ الكثير من الأشياء المميزة التي اضطلع بها القائمون على المتحف، وطريقة السرد بحدّ ذاتها كانت رائعة. يعود ذلك لثلاثة عوامل رئيسية: الأول هو الإرشادات بطريقة بريل المتوافرة على المعروضات؛ وثانياً، نسخ المعروضات المطابقة للأصل والتي يمكن لمسها وتسمح لذوي الإعاقة البصرية بفهم ما يوجد في خزائن العرض؛ وثالثاً، المرشدون الرائعون الذين يرافقون الزائر ويقومون بتبسيط المفاهيم لاستيعاب فكرة كل صالة بشكل ذكي مع تقديم الكثير من التفاصيل".

 

منصّة للتفاعل الحسي في المتحف © متحف قطر الوطني 2020
منصّة للتفاعل الحسي في المتحف © متحف قطر الوطني 2020

وأردف قائلاً: "أثار اهتمامي القسم المتعلّق بالحياة البحرية وقصصها، والذي قرّبني من ثقافة البلاد في المرحلة التي سبقت اكتشاف النفط. كانت هناك معروضات حسية رائعة مثل المحار والأدوات التي استخدمها البحارة للغوص، ومعروضات من التراث يمكن لمسها واكتشاف تفاصيلها".

 

يعرض قسم الحياة البحرية كافة الجوانب المتعلقة بالبحر في قطر
يعرض قسم الحياة البحرية كافة الجوانب المتعلقة بالبحر في قطر

من خلال تحسين وتطوير تجربة الزوار، يدعم متحف قطر الوطني التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة من خلال تقديم تدريب في هذا المجال لكوادره، وشمل ذلك ورشات عمل ليوم واحد بالشراكة مع مؤسسة "ساسول" و"مبادرة قطر متيسرة للجميع" وتقديم مشورة عملية ومعلومات متعلقة بالمساعدة التي يمكن تقديمها للزوار والضيوف من ذوي الإعاقة.

 

تدريب عن التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة في متحف قطر الوطني بإشراف "مبادرة قطر متيسرة للجميع" ومؤسسة "ساسول"، 5 نوفمبر 2019
تدريب عن التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة في متحف قطر الوطني بإشراف "مبادرة قطر متيسرة للجميع" ومؤسسة "ساسول"، 5 نوفمبر 2019

إلى جانب الخدمات المساعِدة التي يُقدمها متحف قطر الوطني في فضاءاته، عمِل المتحف على إتاحة إمكانية استكشاف معروضاته البديعة عبر الإنترنت من خلال منصة "غوغل للفنون والثقافة"، ومعارض أطلقها عبر الإنترنت منها "قصة المطبخ القطري" و"المَواطِن البيئية والملاجئ الطبيعية"، بالإضافة إلى ورشات عمل متوافرة عبر حساب إنستغرام والموقع الإلكتروني للمتحف. 

 

صفحة متحف قطر الوطني وما تضمّه من معلومات عن التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة والمعارض.
صفحة متحف قطر الوطني وما تضمّه من معلومات عن التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة والمعارض.

التزاماً منه بجعل التسهيلات الخاصة بذوي الإعاقة في صدارة أولوياته، ومع الأخذ بعين الاعتبار جائحة كوفيد-19 وتبعاتها على كافة الزوار، وسّع متحف قطر الوطني من تواجده عبر الإنترنت، واستمرّ في جهوده لاستغلال أساليب جديدة لخلق فضاءات دامجة ومعارض مميزة يمكن لكل فرد من المجتمع الوصول إليها والاستمتاع بها.

يتطلّع المتحف لاستقبال زواره قريباً مع تطبيق كافة الإجراءات الاحترازية. لمزيد من المعلومات حول أوقات العمل والزيارة، تفضلوا بزيارة الموقع الإلكتروني وحجز تذكرة. بوسعكم أيضاً الاطلاع على الصفحة الخاصة بتسهيلات ذوي الإعاقة والخدمات المساعِدة وتفاصيل التواصل مع المتحف.

وللتعرّف على المتحف أكثر، تفضلوا بزيارة مدونتنا التي تُقدّم إضاءات على الإصدار الجديد الخاص بالمتحف والكثير من المواضيع الأخرى.

 

Add your comment

You might also like