مدونتنا

المخطوطات القرآنية في متحف الفن الإسلامي

21 مايو 2020

القرآن هو كلام الله المنزَّل شفوياً على نبيه محمد (ﷺ) على مدى 23 عاماً بواسطة الوحي جبريل (عليه السلام). اُنزل القرآن على النبي على مراحل لمواكبة الأحداث الواقعة في زمن النبوة، ثم جُمعت آياته وسوره في نهاية المطاف في مخطوطة واحدة مكتوبة. بدأ الناس بنسخ القرآن وتداوله على مرّ الزمن لنشر رسالة الإسلام في العالم. يعود تاريخ بعض الأجزاء التي عُثر عليها من المخطوطات القرآنية إلى القرن السابع الميلادي، وقد ظهرت مجموعة رائعة من المخطوطات نسخها خطاطون مختلفون على مر التاريخ في طول العالم الإسلامي وعرضه.

يضم متحف الفن الإسلامي مجموعة رائعة من المخطوطات النادرة والثمينة، تشمل القرآن العباسي الأزرق الشهير، والمعروف كأحد أفضل وأندر المخطوطات في العالم الإسلامي، وصفحات من أكبر قرآن في العالم، قرآن بايسنقر التيموري. في شهر رمضان من هذا العام، كشف متحف الفن الإسلامي عن جزء من مجموعة مقتنياته من المصاحف تشمل عدداً من المخطوطات القرآنية المتنوعة التي تغطي فترات زمنية ومناطق مختلفة، بعضها لم يسبق له العرض من قبل. بعد عامين من الأبحاث الفنية التي أجرتها نيكوليتا فازيو، والمعالجة الرقمية التي نفَّذها كل من مارك بيلليترو ولويس لامرهوبر ونيكولا فيراندو وسمر كساب، تقدم هذه المجموعة نظرة حصرية على بعض أجمل المخطوطات القرآنية التاريخية من العالم الإسلامي.

 

نورد فيما يلي لمحة موجزة عن خمس من هذه المخطوطات القرآنية النفيسة:

 

١. صفحة من مخطوطة قرآنية تيمورية ضخمة

    أوزبكستان (سمرقند)، القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي

    ذهب وحبر أسود وألوان مائية غير شفافة على ورق

    سورة العنكبوت، [الآيات 25- 27]

 

صفحة من مخطوطة قرآنية تيمورية ضخمة
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو
صفحة من مخطوطة قرآنية تيمورية ضخمة
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو

هذه الصفحة مكتوبة بخط المحقق الأنيق، وهي مأخوذة من أكبر مصاحف العصور الوسطى حجماً. عُرف هذا القرآن لفترة طويلة باسم "قرآن بايسنقر"، على اسم الأمير التيموري المرموق عاشق الفنون بايسنقر، لكن برزت في الآونة الأخيرة معلومات تفيد بأنه صُنع لجده الشهير الملك تيمور (حكم 1370-1405م). لم ينجُ من المخطوطة سوى عدد قليل من الأوراق المتفرقة. تتألف المخطوطة الكاملة من 1600 صفحة و 2700 متر مربع من الورق تضم النص الكامل للقرآن.

يُزعم أن كاتب المخطوطة هو عمر الأكتع، وهو خطاط بذراع واحدة. أمضى عمر سنوات في نسخ قرآن مصغر بحجم الخاتم، لكن عندما قدم عمله هذا بفخر لتيمور، قال الحاكم العظيم إن الحجم الصغير لا يليق بالقرآن، فشرع الخطاط بالعمل دون هوادة على إنتاج أكبر مخطوطة قرآنية معروفة على الإطلاق وقدمها إلى تيمور، الذي منح الفنان هذه المرة التقدير الذي يستحقه. لطالما اعتُبرت مخطوطات القرآن الضخمة دليلاً على التقوى والمكانة السياسية للرعاة الأثرياء الذين كلفوا الفنانين بتنفيذها.

(الإمبراطورية التيمورية هي إمبراطورية فارسية تضم كل من إيران وأفغانستان وآسيا الوسطى الحديثة. وقد أنشأ هذه الإمبراطورية الفاتح التركي المنغولي الشهير تيمور)

 

٢. نسخة مصغرة من القرآن

    إيران (شيراز)، القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي

    ذهب، حبر، ألوان مائية غير شفافة على ورق وغلاف جلدي

 

نسخة مصغرة من القرآن
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو، نيكولاس فيراندو
نسخة مصغرة من القرآن
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو، نيكولاس فيراندو

كان للمصاحف المصغرة وظيفة مهمة هي حماية حامليها. لطالما وُضعت قطع صغيرة من الرق تحمل نصوصاً قرآنية داخل قلائد صغيرة ارتداها الناس منذ القرون الأولى للتاريخ الإسلامي. ربما يكون صاحب هذا القرآن المصغر،  المنسوخ ببراعة - بقصبة مسنونة وخط دقيق يُعرف باسم الخط الغباري (من "الغبار") - قد استخدم هذا المصحف الصغير لدرء الشر أكثر من القراءة. كان من المفترض أن توضع هذه المخطوطة الصغيرة في الأصل داخل صندوق مثمن صغير مع حلقات وخطافات للتعليق أو التثبيت على أعلى الذراع باستخدام الخيوط، أو ربما تتم خياطتها على الملابس أو على بطانة الرداء.

 

٣. مخطوطة قرآنية من جنوب شرق آسيا

    جاوة، القرنان الثالث عشر والرابع عشر الهجريان/ القرن التاسع عشر الميلادي

    حبر وألوان مائية غير شفافة على ورق

 

مخطوطة قرآنية من جنوب شرق آسيا
متحف الفن الإسلامي – سمر كساب

يشير تقسيم نص هذه المخطوطة إلى بداية الأجزاء ونهايتها، وقد تم تمييزها بواسطة قوسين نصف دائريين في الهوامش الرأسية الخارجية للصفحتين المتقابلتين، وهو أسلوب استخدم في نسخ المصاحف في جزيرة جاوة الإندونيسية. تحمل المخطوطات القرآنية المنتجة في جنوب شرق آسيا زخارف مميزة زاهية الألوان، لاسيما تلك المصنوعة في جاوة، وهي تقدم مجموعة متنوعة من الأنماط وأشكال الزخارف المذهبة، الأمر الذي يجعل عملية تصنيفها ضمن فئة واحدة مهمة صعبة. يظهر في الصفحتين الأولى والأخيرة من هذه المخطوطة إطاران مزخرفان يجمعان باقة متنوعة من العناصر والزخارف النباتية والتفاصيل المعمارية، إلى جانب مجموعات من الأوتاد الزهرية الموزعة حول الهوامش في توليفات مختلفة، مما يضفي تأثيراً ملوناً جميلاً.

(جاوة هي جزيرة بركانية في إندونيسيا تقع بين سومطرة وبالي.)

 

٤. مخطوطة قرآنية كاملة

    الصين، القرون من الحادي عشر إلى الرابع عشر الهجرية / القرون من السابع عشر إلى التاسع عشر الميلادية

    ذهب وحبر وألوان مائية غير شفافة على ورق

 

مخطوطة قرآنية كاملة
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو

هذه المخطوطة هي مثال جيد على إنتاج المصاحف في الصين، الذي ازدهر على الأرجح خلال عهد أسرة تشينغ (1644-1911م). القرآن مكتوب بخطين مختلفين هما الخط المحقق والخط الصيني، الذي تفردت به الصين. تم تمييز الآيات بدوائر أو نقاط حمراء، أما ترويسات السور فكُتبت بالحبر الأحمر لتمييز السورة وعدد الآيات. الصفحتان المعروضتان هما الصفحتان الافتتاحيتان من القرآن. على اليمين توجد سورة الفاتحة وعلى اليسار سورة البقرة.

تحيط بالصفحتين حواشي جميلة مزخرفة بالنباتات الصينية الملونة بألوان زاهية مثل الأحمر والأخضر والذهبي، لتمييز الصفحتين عن باقي الكتاب. أما أغرب ما في هاتين الصفحتين فهو زخرفتهما بنمط الباغودا المستخدم في العمارة الصينية. داخل رسميّ الباغودا اللذين يزينان الزاويتين العلويتين تظهر كلمتان هما (القرآن الكريم).

 

٥. صفحة مما يُدعى "القرآن الوردي"

    جنوب إسبانيا أو المغرب، القرن السابع الهجري / الثالث عشر الميلادي

    ذهب وحبر وألوان مائية غير شفافة على ورق مصبوغ باللون الوردي

    سورة هود، [الآيات 40- 41]

 

صفحة مما يُدعى "القرآن الوردي"
متحف الفن الإسلامي – مارك بيللترو

هذه الصفحة مأخوذة من مخطوطة قرآنية أندلسية تُعرف باسم "القرآن الوردي"، وقد سُميت كذلك بسبب لون الورق الذي صُنعت منه. تضم كل صفحة خمسة أسطر منسوخة بالحبر البني الداكن بينما تظهر الحركات وعلامات الآية بطلاء ذهبي وألوان مائية متنوعة غير شفافة. هذه المخطوطة هي مثال رائع على تطور الخط المغربي. يتميز الخط المغربي بصفات خاصة مثل الحروف الكبيرة المنحنية المستديرة، وهو يكتب غالباً بالحبر البني الداكن أو الأسود مع بعض التذهيب. تم استخدام هذا الخط أول مرة في الأندلس ومنطقة المغرب - ومنها اشتُق اسمه.

ربما تم صنع هذا النموذج النادر من الورق الوردي المصبوغ في مدينة شاطبة /جاتيفا (تقع في جنوب شرق إسبانيا اليوم) التي يوجد فيها أقدم مصنع إسباني لصناعة الورق. يُعدُّ استخدام الورق ابتكاراً خاصاً بالمخطوطات الأندلسية، ففي تلك الفترة كان الرق وليس الورق، هو المادة المستخدمة في نسخ المصاحف في شبه الجزيرة الأيبيرية.

-

مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، ندعوكم لمتابعة صفحة  سعادة الشيخة الميّاسة و صفحة متحف الفن الإسلامي على انستغرام لمشاهدة المزيد من مخطوطات القرآن.

إذا كنتم ترغبون في تخصيص المزيد من الوقت لتأمل هذه المخطوطات الجميلة بتفاصيلها الدقيقة، يمكنكم زيارة صفحة فنون وثقافة غوغل على موقع متحف الفن الإسلامي. يمكنكم أيضاً القيام بـ جولة افتراضية في قسم القرآن في متحف الفن الإسلامي، وإجراء مقارنة بين بعض المخطوطات المعروضة.

 

أكبر صفحة قرآن في العالم معروضة إلى جانب قرآن صغير مثمن في قاعة عرض متحف الفن الإسلامي
أكبر صفحة قرآن في العالم معروضة إلى جانب قرآن صغير مثمن في قاعة عرض متحف الفن الإسلامي

يقدم متحف الفن الإسلامي أيضاً مجموعة واسعة من دروس الخط العربي تشمل ورش خط للطلاب وورش خط عامة. لمزيد من المعلومات حول المتحف والفرص التي يقدمها، تفضلوا بزيارة موقع متحف الفن الإسلامي.

Add your comment

Find other articles on our blog

You might also like