مدونتنا

إحياء اليوم العالمي للاجئين

20 يونيو 2020

"اللاجئون هم أمهات وآباء وشقيقات وأشقاء وأطفال، ولهم، مثلنا تماماً، نفس الأحلام والطموحات، باستثناء أن القدر جعل حياتهم مرتبطة بأزمة لاجئين عالمية على مستوى لم يسبق له مثيل،" الروائي خالد حسيني.

بوجود أكثر من 70 مليون شخص نازح في العالم، يُشكل اليوم العالمي للاجئين هذا العام – والذي يصادف العشرين من شهر يونيو – تذكيراً مؤلماً بجسارة وصبر كل أولئك النازحين أمام ويلات الحروب والاضطهاد والكوارث الطبيعية، علّنا نفكّر بتلك الظروف القاسية بينما نلجأ نحن أنفسنا إلى حميمية بيوتنا نتيجة الجائحة العالمية.

أطلقت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة اليوم العالمي للاجئين سنة 2001 إحياءً للذكرى الخمسين لوضع اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئ التي وقعتها عدة دول وحددت الحقوق التي يتمتع بها اللاجئون وواجب الدول بحمايتهم. ولكن بعيداً عن المعاهدات والاتفاقيات، إذا نظرنا للأرقام والإحصائيات، هناك آلاف وآلاف الأشخاص الذين يستحقون أن يسردوا علينا قصصهم.

وقد اضطلع الفنانون، إلى جانب صالات العرض والمتاحف، بدور هام في تعريفنا بهذه القصص وإظهار الأثر العميق الذي يخلّفه اللجوء على الأفراد والمجتمعات المحلية والدول بأسرها. بدورنا، وإحياءً لليوم العالمي للاجئين، سنستغلّ هذه الفرصة لنستعرض بعضاً من أبرز سرديات اللجوء التي قدمناها سابقاً في قطر.   

 

آي ويوي

15 مارس – 1 يونيو 2018

معرض "بقايا الشتات" الذي أقامه الفنان المعاصر المشهور عالمياً آي ويوي، يسرد قصة آلاف اللاجئين من سوريا وأفغانستان والعراق في مخيم إدوميني في اليونان. يقدّم العمل التجهيزي الكبير في المعرض المقتنيات الشخصية للاجئين التي تم العثور عليها بعد إخلاء المخيم وإغلاقه في مايو 2016. أُقيم المعرض في غاليري الكراج في مطافئ: مقر الفنانين، وسرد للجمهور آلاف القصص من مخيم إدوميني لتقديم الواقع الكامن خلف أزمة اللاجئين العالمية المستمرة، وما تتركه من عواقب إنسانية قاسية للغاية. 

 

مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)
مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)

قصة المعرض

وُلد آي ويوي في بكين سنة 1957، ويشغل حالياً منصب "بروفيسور زائر - كرسي أينشتاين" في جامعة برلين. استهلّ آي ويوي العمل على هذا المشروع في الصين عام 2010. ومن ثم سافر إلى العراق وتركيا ولبنان واليونان والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة، حيث قام بتوثيق ظروف اللاجئين في مخيماتهم بعدسته.

وخلال رحلاته هذه، جمع آي ويوي ومساعدوه كمية كبيرة من الممتلكات الشخصية التي تركها اللاجئون في مخيم إدوميني، والتي تم لاحقاً استخدامها في معرض "بقايا الشتات". وبحسب الفنان، فإن بقايا الحياة اليومية في المخيم تجسّد تماماً الظروف التي عاشها أولئك السكان في تلك الفترة المضطربة من التاريخ. وعلى مستوى أكبر، تصوّر هذه المقتنيات حالة الظلم والإهمال التي تعرّض لها اللاجئون في المجتمعات المحلية حول العالم.

 

مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)
مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)

يتكوّن العمل من مقتنيات شخصية تم جمعها من إدوميني في اليونان وتعود للاجئين وطالبي لجوء، وهي عبارة عن ملابس وأحذية وبطانيات تم غسلها وتعليقها لتجفّ وكيّها بالبخار، ثم تصنيفها وترتيبها. وبالإضافة إلى 2046 من قطع الملابس، هناك أيضاً 17062 صورة فوتوغرافية وتذكارات تمت طباعتها على جدران صالة العرض، وتُظهِر تفاصيل من زيارات آي ويوي المتعددة لمخيمات اللاجئين. أما على الأرضية، فهناك ملصقات من الفينيل تتضّمن تغريدات من موقع تويتر ونقاشات عبر تطبيق واتسأب وتقارير إخبارية عن موجات الهجرة وأوضاع اللاجئين.

 

 

مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)
مطافئ - معرض "بقايا الشتات" (2018)

ضمّ المعرض أيضاً عملاً آخر بعنوان "مزهريات خزفية مكدّسة فوق بعضها كعامود" وترمز كل مزهرية إلى أحد الأحوال يمرّ بها اللاجئ: الحرب، الخراب، الرحلة، عبور البحر، مخيمات اللجوء، المظاهرات.

وبهذا تتجلى قدرة آي ويوي على استخدام توليفة منوعة من الوسائط لتقديم عرض بصري ثري لأحوال اللاجئين عبر عرض مقتنياتهم الجامدة ولكن بطريقة تهدف إلى استحضار تعاطف وتضامن لدى الزوار من أجل تكوين فهم أفضل للقضايا الجيوسياسية المحيطة بهذه الأزمة.

ويأتي مشروع آي ويوي متسقاً مع رؤية مطافئ في الترويج للإبداع والمواهب سواء من خلال الفن الملتزم أو الرسم على الجدران أو مشاريع الفن العام. أما بالنسبة لقطر، فتساهم الدولة في جهود المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في دعم آلاف اللاجئين والنازحين في سوريا والعراق واليمن وميانمار وبنغلادش ولبنان وإثيوبيا والصومال، ودول أخرى. ولذلك كان أتى دعم مشروع آي ويوي والترويج له مُتّسقاً تماماً مع ما تقوم به المؤسسة.

  

سوريا سلاماً

22 نوفمبر 2018 – 30 أبريل 2019

بعد نزوح حوالي 6.2 مليون سوري وانتقال 5.6 مليون آخرين للعيش في دول اللجوء، دخلت سوريا في دوامة من المعاناة والأزمات الإنسانية التي لم تشهد لها مثيلاً في تاريخها من قبل. لجأ عدد كبير من السوريين إلى الدول المجاورة مثل تركيا ولبنان والأردن والعراق ومصر وانخرطوا في مجتمعاتها المدنية بدل العيش في مخيمات اللجوء. في ظل هذه الظروف، ومع تشتت ملايين السوريين في جميع أنحاء العالم بعيداً عن أرضهم ووطنهم، قد يتبادر للذهن أن انفصالاً نشأ بين سوريا وأبنائها، لكن الواقع أثبت أنه رغم بعد المسافات لا تزال الثقافة السورية والتراث السوري يجمعان بين أفئدة أبناء سوريا، وهما حاضرَين اليوم في الذاكرة والوجدان كما كان شأنهما دائماً. الهدف من إقامة معرض "سوريا سلاماً" هو التأكيد على أهمية التاريخ والثقافة في تقريب السوريين في كل أنحاء العالم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم.

ضمن هذا الإطار، قدم معرض "سوريا سلاماً" الذي أقامه متحف الفن الإسلامي بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيسه، برعاية الدكتورة جوليا غونيلا والدكتور كاي كوهلماير ورانيا عبد اللطيف، مقاربة مختلفة تماماً، إذ قدَّم سوريا كرمز للتراث الإسلامي وللتاريخ والثقافة العربية. أضاء المعرض على 127 قطعة فنية أظهرت التراث الموحد لآلاف السوريين النازحين من خلال عرض تراثهم الأصيل بصورته الحقيقية.

 

نسخة من بقايا المعبد الأثري الشرقي في سوريا
نسخة من بقايا المعبد الأثري الشرقي في سوريا

في مدخل المعرض، وُضعت نسخة لمنحوتة بالحجم الطبيعي تمثل معبد الشرق الأدنى القديم، يظهر فيها إله العواصف واقفاً في مواجهة الملك تايتا. المنحوتة تثبت أن سوريا كانت دائماً بوتقة انصهرت فيها الثقافات المختلفة واندمج فيها التاريخ على مر العصور. تم تقسيم المعرض إلى خمسة أقسام رئيسية، ركز كل قسم منها على حقبة زمنية مختلفة من التراث السوري. حمل القسم الأول الزائر في رحلة عبر التراث السوري القديم عارضاً روائع فنية مثَّلت الثقافات الأجنبية المتعايشة من الحضارة المصرية إلى الإيجية والحثية واللوفية والآشورية وحضارة بلاد ما بين النهرين إلى جانب الحضارة السورية نفسها.

خُصص القسم التالي من المعرض لمدينة تدمر، التي تُعتبر من أهم مدن الواحات المعروفة في الشرق الأوسط قبل الإسلام، كما أنها أهم موقع أثري في سوريا. تناول القسم الثالث من المعرض سوريا في العصر الأموي، حيث احتلت سوريا وعاصمتها دمشق مركز الصدارة في تشكيل العالم الإسلامي في ذلك العصر، وما يزال المسجد الأموي، الذي يُعدُّ من الصروح المعمارية الأكثر روعة، شاهداً حياً على هذه الفترة المزدهرة من تاريخ سوريا. قدم المعرض أيضاً بعض أشهر القطع التي واكبت تلك الفترة مثل مزهرية كافور الزرقاء الرائعة ذات الزخارف المرسومة بالمينا. خُصص القسم الأخير من المعرض لعرض بعض القطع الأثرية المهمة التي تعود إلى الفترة العثمانية، شملت بعض العناصر التجارية وقطعاً من الحياة اليومية.

 

 

متحف الفن الإسلامي - مارك بيلترو
متحف الفن الإسلامي - مارك بيلترو

خصص المعرض غرفة للتأمل، جمع فيها أصوات الزوار وآراءهم. قدمت الغرفة مساحة لفئات المجتمع، لاسيما لأبناء الجالية السورية في قطر، للنقاش والتعبير عن رأيهم بالمعرض.

 

بطاقات كتبها الزوار في غرفة التأمل
بطاقات كتبها الزوار في غرفة التأمل

غطت البطاقات والملاحظات المؤثرة جدران الغرفة، وفيها عبَّر بعض الزوار عن تجربتهم كسوريين يعيشون خارج سوريا:

"من خلال هذا العمل استرجعت ذكرياتي في حارات سوريا وشوارعها ومبانيها.. أدعو الله أن يحفظ سوريا الحبيبة".
بطاقات من غرفة التأمل
"ثمان سنوات وأنا بعيدة عن حضن وطني الحبيب سوريا. شكراً لأنكم أعدتموني إلى حضنه ولو للحظات، سوريا كانت جميلة وستظل جميلة". 
بطاقات من غرفة التأمل

أكدت الدكتورة جوليا غونيلا مديرة متحف الفن الإسلامي وأمينة المعرض الرئيسية في مقابلة، على أهمية الإضاءة على مساهمات سوريا في إغناء التراث العالمي بدلاً من التركيز على ما حاق بالبلد من دمار.

وفي معرِض حديثها ذكرت أن مهمة المتاحف لا تنحصر فقط بعرض التحف الجميلة من الماضي البعيد، بل يمكن لمعارض مثل "سوريا سلاماً" أن تلفت الانتباه إلى التراث الثقافي الغني والعظيم الذي تمثله هذه التحف، وتحذّر في الوقت نفسه من المخاطر التي يتعرض لها هذا التراث اليوم بسبب الحروب والتدمير.

يلقي هذا النوع من المعارض الضوء على الجهود الإنسانية التي تبذلها قطر والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، للتخفيف من تداعيات أزمة اللاجئين المستمرة مع تقديم الاحترام الواجب لملايين النازحين في العالم.

للمزيد من المعلومات حول المعرضين ، يمكنك الاطلاع على تغطية وسائل الإعلام الاجتماعية لمطافئ الدوحة  و لمتحف الفن الإسلامي.

Add your comment

You might also like